المقريزي

389

المقفى الكبير

وسار حمير في بلاد المغرب يوقع بالأمم حتى بلغ البحر المحيط . وأجرى على القبط وهم بقمونية الخراج ، ورجع إلى مصر بعد ما أقام في بلاد المغرب مائة عام بيني المدن ويتّخذ المصانع . فمات أخوه بابليون بمصر فولي بعده ابنه امرؤ القيس ابن بابليون على مصر . وفي أثناء ذلك تكبّرت ثمود وطغت على بني كنعان وغيرهم من الأمم المجاورة لها . فبعث اللّه إليهم صالح بن عرم بن شاهد بن هميسع بن هرير بن عميل بن عابر بن أرفخشد بن سام بن نوح [ 471 ب ] رسولا ، فعصوه وعقروا الناقة التي سألوه أن يخرجها لهم من الصخرة ، فأهلكهم اللّه بالصيحة . وكانت كتابة حمير بالمسند . وسمّي بذلك لأنّه أسند « 1 » إلى نبيّ اللّه هود عليه السلام ، فأمر في منامه بأن ينزّه الكتاب المسند عن أن يرقم على الحديد والأعلام التي ينصبها على الأقاليم بالحجارة وعلم في منامه الخطّ الحميريّ ، وصورته : خط الحميري ص 693 فلمّا ملك الأرض بأسرها وطال عمره حتّى بلغ أربعمائة وخمسا وأربعين سنة ، مات . وقد أقام في الملك أربعمائة سنة . وقام من بعده ابنه وائل بن حمير ، واستمرّ الملك في عقبه . وكان حمير إذا قعد في مجلس الملك قعد أخوه كهلان عن يمينه وإذا أتاه كهلان لطعام ، قعد إلى جانبه ، ثمّ أتى بطشتين وإبريقين فصبّ عليهما معا ، ثمّ أدني للأيمن يمنة وللأيسر يسرة حتّى يعمّ الغسل جميع الجلساء . فكانا أوّل من أحدث في غسل الأيدي طشتين لليمين والشمال . واقتصر كهلان على ما حكم له به أبوه سبأ ، وتسلّم الأعنّة وملك الأطراف والثغور ، فقام به أحسن قيام ، ورتّب الولاة . وسأل أخاه حمير في إعانته ، فأمر له بالأموال والخيول والإبل والطعام والأسلحة والروايا ونحو ذلك . وتقدّم إلى أهل المملكة بامتثال ما يأمر به كهلان . فندب كهلان إلى أرض الحجاز جرهم ولفيفها وولّى عليهم سيّدهم هيّ بن بيّ بن جرهم بن الغوث بن يشدد بن سعد بن جرهم بن قحطان بن غابر ، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا أمره ، وقسم عليهم الخيل والعدد والسلاح والزاد والروايا ، وأعطاهم . وكتب هيّ بن بيّ كتابا إلى ساكني الحجاز من العمالقة ، وهب وسعد بن هزّان الأولى وبني مطر وبني الأزرق وغفار ، بالسمع والطاعة ودفع الإتاوة ، فكان كتاب عهده الذي كتبه هي بن بيّ [ طويل ] : ألائك من كهلان عن أمر حمير * لعامله هيّ بن بيّ بن جرهم « 2 » إلى من بأعراض الحجاز محلّه * من الناس طرّا من فصيح وأعجم [ 420 أ ] على أنّ هيّا ليس يعصى وأنّه * لديهم لذو أمر أثير مقدّم وإلّا فلا يلحون إلّا نفوسهم * إذا ما منوا بالقيروان العرمرم « 3 »

--> ( 1 ) في المخطوط : استند . وفي كتاب التيجان ، 54 تفصيل لرؤيا حمير ، وثبت بالحروف التي أوحي بها إليه ( ولكنّ اللوحة مفقودة من النسخة المصوّرة التي اطّلعنا عليها ) . ويمكن مقارنة الحروف التي نقلها المقريزيّ هنا بالجدول الذي أثبته ناشر كتاب « فرجة الهموم والحزن » ص 20 . ( 2 ) ألائك ج ألوكة : رسالة . ( 3 ) في الهامش : بالهيضليّ العرمرم . والهيضل : الجيش الكثير .